العنف ضد المراه
07 نوفمبر 2008 - 15.01:38

لا شك في أن العنف الجسدي والنفسي والجنسي ضد المرأة منتشر في كل أنحاء العالم، تستوي في ذلك البلدان المتقدمة والبلدان النامية، ولكن ما تختلف فيه المجتمعات والحكومات هو :
-
مدى وعيها الظاهرة وتوعيتها بها، ومدى فكها لجدار الصمت حولها.
-
مدى إنشائها للسياسات وللممارسات، ومدى سنها للقوانين، التي تحمي النساء من العنف أو تنصف النساء المعنفات وتقاضي معنفيهن.
-
مدى إيجادها الهياكل التي تؤطر ضحايا العنف، وتعيد إليهم القدرة على الكلام والتفكير، وتعيد تأهيلهم وتجبر خسائرهم.
ولكن المجتمعات تختلف أيضا في نقطة أساسية هي مدى إدانتها العنف أو تبريرها إياه باسم مبادئ رمزية مستمدة من الدين أو من العادات والتقاليد، كما تختلف في الأشكال الثقافية التي يتخذها هذا العنف. فالعنف يشتد عندما يمارس باسم مبدأ رمزي يعتبر أسمى من ممارس العنف ومن ضحيته معا، وعندما يفرض نفسه على الجميع.
ولعل أدبيات حقوق الإنسان لا تميز بما فيه الكفاية بين عنف تلقائي يمارسه المعتدي لأنه يستسلم للغضب أو يلبي حاجته الجنسية أو يعتبر نفسه في وضعية تمكنه من استعمال القوة الجسدية كرد الفعل، وعنف ثقافي يمارس باسم مبدأ ما، وله مبرراته الآتية من عمق التاريخ.
هناك فارق مثلاً بين الإغتصاب وتشويه الأعضاء الجنسية للمرأة الذي يسمى ”ختان البنات“ أو ”الخفاض“. فالمغتصب يرتكب جريمة عمياء ربما اعتذر عنها إذا عاد إليه وعيه، أما المرأة الخاتنة أو ”المطهّرة“ فهي لا تعدو أن تكون طرفا فاعلا في ثقافة تعتبر أن قطع جزء أو أجزاء من أعضاء المرأة الجنسية أمر ضروري لـ”تعديل الشهوة“، وتظن أن هذا القطع من تعاليم الإسلام الضرورية.
ليس الختان أكثر خطورة من الإغتصاب، الذي تميل المجموعة الدولية اليوم إلى اعتباره جريمة ضد الإنسانية1، وليس أقل تسببا في الألم المستمر الطويل الذي يعبر عنه بـ”المعاناة“ في الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة (الذي تم تبنيه سنة 1993)، ولكن المغتصب يمكن ان يعاقب كفرد، أما الفتاة المختونة التي ستجر وراءها آلام جرحها الرمزي طيلة حياتها فلا أحد ينصفها في ظل أنظمة لا تجرّم فعل الختان ولا تمنعه أو لا تنجح في منعه نتيجة مجموعات الضغط المحافظة. بل ربما أعادت المختونة إنتاج هذا العنف وأخضعت ابنتها إليه، ظنا منها ان لا مفر من الختان.
هذا هوالعنف الرمزي“ الذي يحدثنا عنه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو في كتابه عنالهيمنة الذكورية“2، ويقول عنه انه ”عنف هادئ لا مرئي لا محسوس حتى بالنسبة إلى ضحاياه“، ويتمثل في أن تشترك الضحية وجلادها في التصورات نفسها عن العالم والمقولات التصنيفية نفسها، وأن يعتبرا معا بنى الهيمنة من المسلمات والثوابت. فالعنف الرمزي هو الذي يفرض المسلمات التي إذا انتبهنا إليها وفكرنا فيها بدت لنا غير مسلم بها، وهي مسلمات تجعلنا نعتبر الظواهر التاريخية الثقافية طبيعة سرمدية أو نظاما إلاهياً عابرا للأزمنة. أشد أنواع العنف ضد المرأة العنف الثقافي المقنّى العتيق الذي تعود ممارساته إلى مئات السنين إن لم نقل آلافها. وأشد أنواع العنف الثقافي هو ذلك العنف الرمزي الذي يبدو بديهيا، ويفرض نفسه على الضحية والجلاد والقاضي، ويقول عن نفسه انه ليس عنفا.
هذا العنف الثقافي هو الذي نجد له صدى في المادة الرابعة منالإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة“ (المتبنَّى عام 1993) بآليات القضاء عليه، وهي تنص على ما يأتي : ”على الدول إدانة العنف ضد المرأة ولا يجوز الإستشهاد بأي عادات أو تقاليد دينية لتجنب إلتزاماتها في ما يتعلق بالقضاء على العنف. وعلى الدول إتباع سياسة القضاء على العنف ضد المرأة مستعملة بذلك كل الطرق والوسائل المناسبة وبدون أي تأخير...“. تتوقع هذه المادة العنف الذي يتم باسم مبدأ رمزي ما، وتدرك عنف هذا العنف ورسوخه، ولذلك فإنها تؤسس مبدأ عدم إمكان التحفظ عن إدانة العنف ضد المرأة. ومع ذلك فان مبدأ عدم التحفظ هذا، هناك دول أطراف تتحفظ عنه، وإليكم هذه الواقعة التي تدل على ذلك :
في دورة ”اللجنة المعنية بوضع المرأةالتابعة للأمم المتحدة، التي عقدت في آذار 2003 (الدورة السابعة والأربعون)، لم يتمكن مندوبو الحكومات لأول مرة من الوصول إلى الإجماع على ”النتائج المتفق عليهالهذا التجمع الحكومي. وكانت المسألة التي عرقلت الوصول إلى هذا الإجماع هي الخلاف على الصيغة المستخدمة في التعبير عن إلتزام الهيئات الحكومية الدولية بوضع نهاية للعنف ضد المرأة. ووصف أحد المراقبين الاجتماع قائلا : ”قبل نصف ساعة فقط من إنتهاء الدورة التي استمرت 15 يوما وقف ممثل إيران، يؤيده مندوبا مصر والسودان، ليسجل إعتراض حكومته على الفقرة (صفر) التي تنص على أنه ينبغي على الدول أن تدين العنف ضد المرأة وأن لا تتذرع بأي عرف أو تقليد أو إعتبارات دينية للتنصل من إلتزامها بالقضاء عليه”3.
هذا التحفظ الذي إنفردت به بعض الدول الإسلامية والعربية يدل على وجود بؤر عنف ثقافي ديني ضد المرأة في العالم العربي الإسلامي، يضاف إلى العنف التلقائي الفردي أو الجماعي الذي يوجد في كل مكان. فهل سنصبح نحن برابرة العالم في القرن الحادي والعشرين ؟ أي خصوصيات ثقافية يمكن أن نتمسك بها إذا كانت هذه الخصوصيات تشدنا إلى العنف والجور وتحول دون مساهمتنا في الحركة الإنسانية نحو المزيد من المساواة، والمزيد من الرحمة، والمزيد من الحرية ؟
بؤر العنف الذي يتم باسم مبادئ عليا، وأدوات تحليله ومواجهته هي ما سنهتم به في هذه الورقة.*

1- العنف والتمييز
إن كل عنف ضد المرأة يتضمن بالضرورة تمييزا، وهذا ما تدل عليه عبارة ”على أساس الجنس“ الواردة في تعريف العنف في الإعلان العالمي المذكور4.
فالمرأة تستهدف بالعنف باعتبارها أنثى لا باعتبارها إنسانا أو مواطنة أو غير ذلك. يتم تعنيف المرأة على أساس أنها كائن من نوع خاص، أو كائن مؤذ أو مصدر فتنة للرجل، وهناك شتيمة شائعة تكون موضوع عنف لفظي أو تكون مصاحبة للعنف الجسدي تدل على هذا، وتتمثل في نعت المرأة بأنها مومس تبيع جسدها. بل ان الشتائم الموجهة للرجال هي نفسها تحمل التمييز نفسه ضد النساء، فالرجل في مجتمعاتنا يشتم بأنهمخنث“ ونسواني ومأبون...
فالصلة بين العنف والتمييز أساسية، ولها وجوه تراكب وتراتب نجملها في ما يأتي :
*
أفعال العنف ضد المرأة تتضمن تمييزا ضد المرأة واحتقارا لها.
*
التمييز يؤدي إلى العنف، فمبدأ طاعة الزوجة زوجها الذي تنص عليه الكثير من القوانين العربية والذي يمكن ضمنا الزوج من تأديب زوجته، يفتح المجال أمام الزوج ليتخذ الضرب شكلاً من أشكال التأديب. وفي مجال القانون الجنائي يعتبر تخفيف العقاب على مرتكب ”جريمة الشرف“ تبريرا للعنف القاتل المسلط على الفتيات والنساء بل وتشجيعاً على ارتكابه.
*
العنف يدعم التمييز، فالكثير من الرجال أرباب الأسر يستعملون العنف الجسدي لفرض الأدوار التقليدية النمطية على النساء ولتقييد حركاتهن وعلاقاتهن.
فكما تتحفظ بعض الدول العربية عن إدانة العنف ضد المرأة، تتحفظ كل الدول العربية كما هو معلوم، وبدرجات متفاوتة عن ”اتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة“ على نحو يلغي أحيانا محتوى الاتفاقية، وهو ما يدل على أن هذه البلدان لا تتوافر فيها المساواة في القانون. في هذا السياق الإقليمي العربي، ومن وجهة نظر الإستراتيجيا السياسية التي يجب أن نتوخاها من أجل إزالة التمييز ضد المرأة، من المفيد أن نقطع شوطا أبعد في عقد الصلة بين العنف والتمييز، لكي نكتشف ما في التمييز ضد المرأة من عنف أو لنكشف عنه. إنه عنف يتم باسم مبادئ رمزية أيضا، وهو عنف بنيوي لا ينبع من أفراد بل من بنى إجتماعية وقانونية يتبناها الأفراد والمجموعات، وهو عنف هادئ يعمل في صمت، ولكنه يعمل باستمرار، فهو كالطاحونة التي تسحق الأفراد وتحد من مجال توقهم وآفاق حريتهم. فالعنف ضد النساء، وخلافا لبعض التعريفات المعتمدة لدى بعض الناشطين، ليس فقط فعلا لا إجتماعياً منافسا للأخلاق السائدة، بل قد يكون فعلا مغرقا في الإجتماعية وفي الإنسجام مع الأخلاق السائدة.

- 2 - تغيير الأحوال الشخصية للمرأة المسلمة : قضية كرامة لا قضية دينية
التمييز هو نوع من ”العنف الأساسي“ لأنه لا يستهدف ملكية الآخر، بل يستهدف ماهية الآخر. إنه ليس إعتداء على جسم الآخر أو على ما يملكه الآخر، بل نفي لجوهر الإنسان في الآخر. إنه كالعنصرية، أي التمييز على أساس العنصر، نفي لحق الآخر في أن يكون له حق، نفي للإنسانية الكاملة للمرأة، وللمبدأ المؤسس للحياة الإجتماعية في عصرنا وهو مبدأ المساواة. فجعل الطلاق أمراً يقرره الرجل وحده عنف بنيوي، وهو عنف أساسي ينفي حق المرأة في أن يكون لها حق في تقرير مصيرها، وهو عنف لا يعد اعتداء على الأخلاق السائدة، ومع ذلك فانه يمكن ان يحول حياة بعض النساء إلى انتظار طويل ودوران في حلقة مفرغة، بين زواج آسر لا يحتمل وقضاء لا ينصف ولا ينصت.
ولعله من المفيد بالنسبة إلى الإعلاميين، في حديثهم عن العنف أن يعتبروا أعمال العنف ضد المرأة علامات تحجب وراءها بنى قائمة، فلا يكتفون تبعا لذلك بعرض الفضائح والجرائم لقراء يستهلكون الفرجة. لا شك في أن الصحافة تحتاج إلى الأحداث ولا نتخيل نشرة تلفزيونية أو صحيفة تقول يوما : لا توجد اليوم أحداث، ولكن من المهم توجيه أنظار القارئ نحو البنى التي تقف وراء الأحداث. ومن المهم تنبيهه إلى ان أحداث العنف الدامية ربما تكون مؤشرا إلى علاقات عنف هادئ وغير دام.

2- العنف والمس بالكرامة
في كل حالة عنف ضد المرأة هناك عنف أساسي يقوم على إنكار حق المرأة في أن تكون لها حقوق. ولكن العنف ليس قائما فحسب على إنكار ضمني أو معلن لمبدأ المساواة بين الرجال والنساء، إنه قائم أيضا على إنكار لمبدأ الكرامة. فما الكرامة ؟
الكرامة قاعدة أخلاقية وفلسفية لحقوق الإنسان الأساسية، غائمة وغير قابلة للترجمة القانونية المحددة، ولكنها أساسية ويرد ذكرها، دون تعريف، في الفصل الأول من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 : ”يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم ان يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء“.
ومفهوم الكرامة قديم قدم الفلسفة اليونانية، وله صياغات خاصة في الأديان، ولكنه جديد من حيث كونيته، ومن حيث اعتبار الكرامة صفة تتوافر في كل الناس، لا نثبتها بل نقررها. هذه الصياغة الكونية الجديدة تعني أن لكل ذات بشرية قيمة في حد ذاتها، وبقطع النظر عن المحددات الإجتماعية والدينية والعرقية. ولا بد ان نستفيد من الصياغة الكانطية لمبدأ الكرامة لنقول إنها تعني على وجه التحديد أن من حق كل شخص أن يعامل في علاقاته بالأشخاص الآخرين أو بالدولة على أساس أنه غاية لا وسيلة، وعلى أنه أغلى من كل شيء، وأن له قيمة قصوى.5
وما يدعو إلى إحترام الإنسان هو العقل والوجدان الذي قد يعني بالأساس شعوره بوجود الآخرين وميله إلى رحمتهم، وقدرته على تسيير حياته حسب مبادئ وتوقه إلى القيم المطلقة وإلى مصير يتجاوز الزمن.
ومفهوم الكرامة هو الذي يجعلنا لا نقدم تصورا للعنف يقصره في التعدي على حرمة الجسد فحسب، وهو الذي يجعلنا لا ندين الإغتصاب فحسب، بل ندين التحرش الجنسي أيضا، فالمتحرش بالمرأة لا يؤذي جسدها بل يؤذي ”معيش جسدها“، لا يعتدي على الجسد-الموضوع بل يعتدي على الجسد-الذات، وهو يخل بكرامتها لأنه لا يبالي manger · شوهد 3 مرة · 0 تعليق

رابطة دائمة توجه نحو المقالة بأكملها

http://al-zeel.shareblog.net/Aaa-aIaaE-b1/CaUaY-OI-CaaNCa-b1-p7.htm

التعاليق

هذه المقالة لا تتوفر على تعليق لحد الآن...


وضع تعليق

مرتبة التعاليق الجديدة: تم نشره





سيتم اظهار رابطك (Url)

 
المرجوا أن تُدخل الرمز الموجود في الصور


نص التعليق

خيارات
   (حفظ الإسم, البريد الإلكتروني و الرابط في الكوكيز.)


  

آخر التعاليق

بالطبع هذا المقهى لو فتح له ...

28/09/2008 على الساعة 10.57:33
من طرف manger


يومية

سبتمبر 2010
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << < > >>
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   

إعلان

من على الخط؟

عضو: 0
زائر: 1

rss رخصة النشر (Syndication)

صندوق الحفظ

الروابط